أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
153
شرح مقامات الحريري
أم صادر ، ادّعت النبوّة بعد وفاة النبي صلى اللّه عليه وسلم في الجزيرة في بني تغلب ، فاستجابوا لها ، وتبعها قوم من تميم ، وظهر أمرها حتى هابتها العرب وصالحتها ، لتجوز في بلادهم حيث شاءت . فسمعت بمسيلمة في اليمامة ، فقالت لقومها « عليكم باليمامة ، دفّوا إليها دفيف الحمامة ، فإنها غزوة صرامة ، لا تلحقكم بعدها ملامة » . وبلغ مسيلمة خبرها فهابها ، وخاف إن هو شغل بها غلبه ثمامة بن أثال وشرحبيل على حجر اليمامة إذ هما من قبل أبي بكر رضي اللّه عنه ، فأرسل إليها يستأمنها على نفسه ، فأمّنته فجاءها في أربعين من بني حنيفة ، فقال لها : نصف الأرض لي ، والنصف الذي كان لقريش صار لك ، فقالت : لا يردّ النصف إلا من جنف ، فاحمل النّصف . فصالحها على أن يحمل إليها نصف غلّات اليمامة من تلك السنة ، وعلى أن يسلفها ثمن غلات السنة المقبلة . فقبلت منه ، وقدم لها مغلّ تلك السنة ، ورجعت إلى الجزيرة ، فلم تزل في بني تغلب حتى نقلهم معاوية عام انفراده بالملك إلى الكوفة ، فانتقلت معهم ، وحسن إسلامها . [ أبو الأسود الدؤلي وامرأته ] وأظن أن الحريريّ صوّر تخاصم زوجة أبي زيد معه على تخاصم أبي الأسود الدؤليّ مع زوجته عند معاوية . حدث أهل الأخبار قالوا : كان أبو الأسود كبيرا عند معاوية ، وكان معاوية يجالسه ويدنيه ، ويسأله فيجيبه فيما يعلم ، فبينما هو ذات يوم عند معاوية وقد قدم المدينة إذ دخلت عليه امرأة برزة فقالت : أصلح اللّه أمير المؤمنين وأمتع به ! إنّ اللّه جعلك خليفة في البلاد ، ورقيبا على العباد ، يستسقى بك المطر ، ويستنبت بك الشجر ، ويؤمّن بك الخائف ، ويردع بك الجانف . أنت الخليفة المصطفى ، والأمير المرتضى ؛ فنسأل اللّه لك النعمة في غير تغيير ، والبركة من غير تقتير ؛ فقد ألجأني إليك يا أمير المؤمنين أمر ضاق بي عنه المخرج ، من أمر كرهت عاره ، لمّا أردت إظهاره ، فليكشف عني أمير المؤمنين ، ولينصفني من الخصم ، وليكن ذلك على يديه ، فإني أعوذ بك وبحقويك من العار الوبيل ، والأمر الجليل ؛ الذي يشتدّ على الحرائر ، ذوات البيوت الأخاير . فقال لها معاوية : من هذا الذي أشعرك شناره ؟ قالت : أمر طلاق جائر ، من بعل غادر ، لا تأخذه من اللّه مخافة ، ولا يجد بأحد رأفة : قال : ومن بعلك ؟ قالت : هو أبو الأسود . فالتفت معاوية إليه فقال : أحقّ ما تقول هذه المرأة ؟ فقال : إنّها تقول من الحق بعضا ، وليس أحد يطيق عليها نقضا . أما ما ذكرت من أمر طلاقها فحق ، وسأخبرك عن ذلك بصدق ، أنا واللّه ما طلقتها لريبة ظهرت ، ولا من هفوة حضرت ؛ ولكن كرهت شمائلها ، فقطعت حبائلها . قال : فأيّ شمائلها كرهت ؟ قال : إنك تهيّجها عليّ جواب